السيد عباس علي الموسوي
43
شرح نهج البلاغة
( فتأس بنبيك الأطيب الأطهر - صلّى اللّه عليه وآله - فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى اللّه المتأسي بنبيه والمقتص لأثره ) اجعل نبيك الأطيب الأطهر قدوة لك وأسوة فإنه القدوة لمن أراده القدوة الصالحة وهو المثل الأعلى لمن أراد أن ينظر إلى أكمل الناس . ثم ذكر أن أحب العباد إلى اللّه المقتدي بنبيه لأن من اقتدى به وسار على أثره وخطى خطاه كان من عباد اللّه الصالحين الذين يسيرون نحو الكمال ونحو العزة والعلو . . . وإن كل أمة لا بد لها من قدوة عظمى تنظر إليها على أنها مثلها الأعلى فتعمل وهي تنظر إليها لتصل إلى علاها ، وإذا فقدت الأمة المثل الأعلى سارت بغير توازن ولا يمكنها أن ترتقي أو ترتفع لعدم وجود الهدف في مسيرتها . . . ( قضم الدنيا قضما ولم يعرها طرفا أهضم أهل الدنيا كشحا وأخمصهم من الدنيا بطنا عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها وعلم أن اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه وحقّر شيئا فحقره وصغر شيئا فصغره ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض اللّه ورسوله وتعظيمنا ما صغر اللّه ورسوله لكفى بنا شقاقا للهّ ومحادة عن أمر اللّه ) هذا سلوك رسول اللّه مع الدنيا وعلى المتأسي به أن ينظر إلى فعله . . . إنه لم يتناول من الدنيا إلا شيئا قليلا وكنى بذلك عن القضم الذي هو الأكل بأطراف الأسنان ولم يعط الدنيا طرفا أي لم ينظر إليها فضلا عن أن يمكّن نظره منها وقد كان أشد الناس جوعا فيها بحيث إنه لم يشبع وأهل بيته من الطعام وتحت يده كل خيرات الجزيرة العربية ويستطيع أن يدرك ما يريد . ومن شدة زهده في الدنيا أنها عرضت نفسها عليه فرفضها وأبى أن يقبلها ففي سيرته الطاهرة أنه قال : « قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد بها ثم الجنة وخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي » وهكذا كانت سيرة رسول اللّه فكل أمر أبغضه اللّه وحقره وصغرهّ كان النبي يبغضه في قلبه ويحقره ويصغره في لسانه وقلبه . . . ثم إنه عليه السلام ذكر عيوبنا وأنه لو لم يكن فينا منها إلا حبنا ما أبغض اللّه ورسوله وتعظيمنا ما صغر اللّه ورسوله لكفى ذلك معصية ومخالفة وعنادا للهّ وخروجا عن أمره فلو كان في كل أمورنا الأخرى مع اللّه ورسوله ولكن كنا في هذا الأمر مخالفين له لكان ذلك معصية كبرى لا تجبرها أعمالنا الصالحة ولا تنفع معها التزاماتنا الأخرى . . . ( ولقد كان - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه ويركب الحمار العاري ويردف خلفه ) هذا من تواضع